قرار سحب السفير الجزائري من باريس، اجرائيا هو خفض للتمثيل الدبلوماسي (يختلف عن الاستدعاء للتشاور)، وتقليص قنوات الاتصال الى حدها الأدنى، و سياسيا يعنى مستوى حاد من الاحتجاج الدبلوماسي العالي، ونقل العلاقات الى مستوى أزمة، وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الجزائر بمثل هذا الاجراء اتجاه باريس.
من الواضح أن التقديرات الفرنسية أخطأت في توقع الرد الجزائري الممكن، أو توقعت موقفا أقل كاستدعاء السفير للتشاور، وهو في الغالب اجراء يستهلك نفسه في فترة وجيزة، كما حدث في أزمة تصريحات ماكرون في أكتوبر 2022. ومن المؤكد أن التوقعات الفرنسية استندت في حساباتها الى مستوى الخطوة الدبلوماسية التي اتخذتها الجزائر خلال الأزمة مع اسبانيا للسبب نفسه تماما ، في أبريل 2022، برغم أن اسبانيا معنية أكثر من فرنسا بالنزاع في الصحراء الغربية بحكم مسؤليتها التاريخية والقانونية كمحتل سابق.
لا يمكن فهم الموقف الجزائري، خارج سياق احالات المعنى السياسي للتوقيت الذي اختارته باريس لاعلان قرارها، وهو في الواقع توقيت يحمل -مع الأسف- نوعا من الازدراء السياسي الفج لأهمية العلاقة مع الجزائر، وقدرا من الاستخفاف البالغ بذلك، ومحاولة للحط من قيمة الجزائر على مستوى المحاور الاقليمية للدبلوماسية الفرنسية سياسيا واقتصاديا.
لكن الاحالة الأكثر وضوحا، هي أن توقيت القرار يستهدف بالأساس احداث قطع حيني، لكل مسارات تسوية ملف الذاكرة والتاريخ، واعادة بناء العلاقات على أساس المصالح، وهي مسارات كانت ستؤدي بالضرورة الى توفير مزيد من أوراق الضغط والقيمة التي تخدم الجزائر على حساب فرنسا، في مقابل مزيد من الخسارة الأخلاقية والمادية لفرنسا واضعاف موقفها الأخلاقي والسياسي ازاء العلاقة مع الجزائر.
في الواقع يعكس كل ذلك مستوى من المراهقة الفرنسية في تدبير العلاقات والقضايا، وانحطاط رهيب في السلوك الدبلوماسي الفرنسي، طبيعة التعيينات الأخيرة في وزارة الخارجية الفرنسية، يمكن أن تفسر بوضوح أسباب هذه المراهقة التي تغذيها نوزاع اليمين المتطرف التي تحتشد خلف حقد تاريخي ضد الجزائر، وهي تتشكل بوضوح في مشروع وهيكل سياسي، وجد الآن سبيلا لدفع ماكرون للخضوع لتطلعاته السياسية على حساب القضايا المشروعة .
الآن بات في حكم المؤكد أن زيارة الرئيس تبون الى باريس في حكم الملغاة، وتجميد فاهمات أوت 2022 التي وقعت خلال زيارة ماكرون ، بما فيها تلك المتعلقة بعقد اجتماعات منتظمة للتنسيق الأمني والعسكري، ستمتد تداعيات الأزمة أيضا إلى القطاعات الاقتصادية و حضور الشركات الفرنسية، خصوصاً الخدمية في السوق الجزائرية،وتحجيم المعاملات التجارية مع باريس، خصوصاً أن الجزائر يمكن أن تدرج ذلك في إطار مقتضيات مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
هناك تحوّلات عميقة في حغرافيا المصالح و الارتباطات المعقدة، تجعل من القضية الصحراوية، مسألة أمن حيوي بالنسبة للجزائر، بغض النظر عن كونها قضية عادلة، وهذا يضع الجزائر أمام تحديات صعبة تملي عليها التصرف بمواقف محددة.
عثمان لحياني




