الساحل كتابات وتحاليل نقطة أنفو
✒️ عثمان لحياني

القراءة الخاطئة في بماكو

تخطئ السلطة الانتقالية في مالي، حين تتوجه باتهامات حادة إلى الجارة الجزائر بدعم وإيواء الجماعات المسلحة التي تصفها بالإرهابية، في إشارة إلى حركات الأزواد في الشمال (قرب الحدود الجنوبية للجزائر)، وهي في الحقيقة حركات سياسية شريكة تحت مظلة الأمم المتحدة والرعاية الدولية برئاسة الجزائر، في مسارات السلام واتفاق الجزائر الموقع في مايو/ أيار 2015. تنطلق السلطة في مالي من قراءة غير سليمة لا تأخذ بعين الاعتبار ضرورات الإنصاف والميراث التاريخي من علاقات جوار مستقيمة، وفاعلية الجغرافيا المؤثرة.

البيان الأخير للخارجية المالية، بالغ التشنج إزاء الجزائر، كأنما كتب خارج بماكو، يضيف حجراً آخر إلى الحاجز الآخذ في الارتفاع بين البلدين منذ الأزمة الدبلوماسية نهاية عام 2023 . تخسر باماكو بذلك أو تكاد بلداً جاراً ومهماً في المنطقة كالجزائر، كانت مساعداً دائماً لمالي في الأزمات والضيق السياسي والاقتصادي فيها. لم تكن الجزائر في مواقفها وسياسات الجوار، ضالعة بأي حال من الأحوال في الدفع إلى نزعات انفصالية، في مالي. اتفاق الجزائر عام 2015، هو الذي وضع حداً لنوازع الانفصال لدى حركات الأزواد، التي كانت أعلنت ذلك عام 2012، عندما بدأت المواجهة العسكرية مع حكومة باماكو. وأكثر النقاط التي ارتكز عليها اتفاق الجزائر بالأساس، هي الحفاظ على وحدة التراب المالي وسيادته، وهي بذلك – أي الجزائر- أدت دوراً أساسياً في حماية جغرافية مالي من أي تقسيم أو تفكك.
إذا كانت السلطة في باماكو التي تعتمد مقاربة الحل العسكري واستخدام القوة، ضد المكوّن الأزوادي، (إقليم أزواد يمثل 60% من مساحة مالي)، بزعم استعادة السيطرة على مناطق الشمال، تعتقد أن الاستعانة بقوات فاغنر الروسية، يمكن أن تحسم معركة الرمال في الشمال، -وهي معركة لم تحسم قط منذ عام 1963- فإن واقع الحال يناقض هذه المقاربة. ويظهر بوضوح أن الحل العسكري كان ينتهي دائماً إلى الفشل، ولم يكن يؤدي إلا إلى مزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، وإضعاف مقومات الاستقرار أكثر مما هي ضعيفة، إلى جانب خلق بيئة أكثر ملاءمة للاتجار السياسي بالمنطقة وأمنها، ولتمركز نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة. والحل العسكري في الحالة المالية غير سليم، إذا ما وضع في مقابل الحل السياسي والسلمي.
من المتفق عليه أن اتفاق السلام الموقع في الجزائر بين الحكومة المركزية في باماكو وحركات الأزواد عام 2015، ربما تجاوزت الأحداث بعض تفاصيله، بالنظر إلى المتغيرات الطارئة، لكن ذلك ليس مبرراً لإلغائه وقطع مساره. بينما كان يمكن بالتعاون مع الرعاية الدولية للاتفاق، العمل على تطويره وإحداث مراجعة له تستجيب للتطورات وتتخذ منها منطلقاً لحوار مالي- مالي، يسعف منطقة الشمال بسلام دائم، ويحيّد شبح الحرب والمواجهة العسكرية، ويحد من الحاجة المالية للاستعانة بمرتزقة فاغنر الروسية.
وإذا كان ولابد من نقدية سياسية توجه إلى الجزائر في هذا السياق، فهو عدم الانتباه مبكراً إلى الحاجة الماسة لتطوير اتفاق 2015 للتطوير، وفقا لجملة من العوامل والمتغيرات، وعدم المبادرة إلى ذلك بصفتها رئيس فريق الوساطة الدولية، بغض النظر ما اذا كانت السلطة الجديدة في بماكو منذ عام 2020، مستعدة لذلك.
ليس خافياً على أحد أن الاهتمام الأساسي لقوات فاغنر في مالي، ليس تحقيق الاستقرار ولا تركيز حكم سلطة في مالي، بقدر ما هو السيطرة على مناجم الذهب في البلاد. يعني ذلك أن الحرب هي البيئة الأكثر ملاءمة بالنسبة للفاعل الأجنبي لاستنزاف ثروات مالي، ويمكن أن يفسر ذلك بوضوح سبب دفع موسكو باماكو إلى الحرب.
عثمان لحياني