فتحت سيدة الخارجية الليبية السابقة، نجلاء المنقوش، قلبها للإعلام العربي في حوار أجرته مع منصة قطرية تابعة لقناة الجزيرة، مدلية بتصريحات تجعلنا، كمهتمين بشؤون السياسة، نطرح العديد من الأسئلة، أولها حول توقيت التصريح: لماذا الآن؟ … وآخرها، هل منطق معظم ساسة العرب لا يأخذ بعين الاعتبار قيّم وعقائد ومشاعر الشعوب العربية الرافضة لأي شكل من أشكال التطبيع؟
صالت وجالت …وفي الأخير طبعت
سيدة خارجية ليبية السابقة، وأولى امرأة في تاريخ دولة ليبيا تتولى مهمة قيادة السياسة الليبية الخارجية، تجد نفسها أمام تحديات ورهانات صعبة لتوحيد وجهات النظر حول الملف الليبي. فقد صالت وجالت معظم العواصم لإيجاد حلول للأزمة الليبية التي استفحلت في السنوات الأخيرة بسبب التدخلات الخارجية للقوى الإقليمية والدولية في لعبة توازنات خطيرة زادت من حدة الأزمة والتشظي السياسي فيها، لتجد نفسها في قلب أزمة سياسية عقب انتشار خبر لقائها مع وزير خارجية الكيان الإسرائيلي كوهين بالعاصمة الإيطالية روما في أوت 2023. وهو الحدث الذي أثار جدلاً واسعًا حول هذا اللقاء الذي اعتبره الشعب الليبي، لقاءً مشبوهًا يضع ليبيا في محور الدول المطبعة، ولقى استنكارًا واسعًا من قبل مجلس النواب الليبي الذي يرى في اللقاء فرصة لتعزيز موقفه الرافض للحكومة الليبية المعترف بها دوليًا. فمكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، هو إقالتها في خطوة للحدّ من الأزمة السياسية دون فتح تحقيق معمّق حول القضية، لتغادر المنقوش ليبيا بطائرة خاصة من طرابلس إلى تركيا متوجهة نحو الولايات المتحدة، دون الكشف عن تفاصيل معمقة حول اللقاء.
المنقوش تضع الحكومة الليبية في أزمة جديدة
لم يتوقف حدّ التصريحات في قضية اللقاء، وإنما أرادت أن تبرّئ نفسها أمام الرأي العام بأنها ضحية لقرارات سياسية صادرة من رئيس حكومة الوحدة الليبية الدبيبة، الذي أشرف بنفسه على ترتيب لقائها مع وزير خارجية الكيان الإسرائيلي كوهين. وحسب قولها، كان الهدف هو وضع ترتيبات بشأن اقتسام والاستفادة من ثروات الطاقة الموجودة في منطقة شرق البحر المتوسط بين الدول المطلة عليها.
منطق سياسي يجيب عن سؤالنا الأخير ويؤكد لنا حجم المعضلة الفكرية التي يعاني منها معظم الساسة العرب في تعاطيهم مع الأحداث السياسية الراهنة والقرارات المتخذة التي تتنافى مع توجهات شعوبهم الرافضة لكل أشكال التطبيع والخيانة، إنه منطق غير سليم ومعطّل ولا يخدم مصالح الأمة العربية وأمنها القومي.
وما زاد الطين بلة ما تابعناه في حوارها قولها: “قابلت كوهين بأمر رسمي، وتمّ منعها من الإدلاء بأي تصريحات بشأن اللقاء، وطُلب منها مغادرة ليبيا على أن تتم عودتها بعد أيام.” وأضافت: “كل مسؤولي الحكومة قابلوا الجانب الإسرائيلي بطريقة سرية، أو من وراء ستار”. وأيّ منطق هذا عندما تضيف قائلةً إن لقائها مع كوهين لم يكن بدافع التمهيد لتطبيع ليبيا مع إسرائيل؟ وهنا نتوقف ونطرح سؤالًا آخر: بدافع ماذا إذًا؟
هنا نعود إلى سؤالنا الأول، لأن القضية تجعلنا نأتي من الآخر بمنطق جزائري أصيل لفهم ما حدث، وأعتقد أن الأمر وما فيه واضح ولا يحتاج لتفصيل أكثر، لكن يبقى سؤالنا الأول المطروح: لماذا خرجت المنقوش في هذا الوقت؟
أعتقد أن هذا له العديد من الدلالات. أولاً، نربطه بما يحدث اليوم في الساحة الدولية والإقليمية، وعودة ترامب إلى سدة الحكم، والتغيرات الممكنة مستقبلًا في طبيعة العلاقات بين الدول، وكذا مصير الملفات التي تشغل الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة “عراب التطبيع” دونالد ترامب. وبالتالي، ربما لقاء روما هو بداية لفتح قنوات اتصال جدّية بين حكومة الدبيبة والكيان الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يستبعده وينفيه الدبيبة في تصريح له عقب انتشار الخبر. لكن اليوم، أرادت المنقوش أن تلمّح له، وأريد من خلال هذه المقابلة والتصريحات أن تؤكد أن الدبيبة يريد حل الأزمة الليبية من خلال الاعتماد على تطبيع مع الكيان لضمان بقائه في السلطة ومنحه نفوذًا واسعًا وتمكينه من السيطرة على ليبيا كاملة في ظل زيادة النفوذ الخارجي الداعم لخصمه “خليفة حفتر”.
وهو أمر أعتقد بأنه مستبعد أن يعتمد عليه الدبيبة أو يعوّل عليه. بل أرى أنها محاولة لتغيير الموازين وتحييد الدبيبة من المشهد الليبي. بل ربما هي خطوة فعلية من قبل الفاعلين الخارجيين المؤثرين في الشأن الليبي لإزاحة الدبيبة وصياغة ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تتماشى مع الأوضاع الإقليمية والدولية السائدة، والتي حتمًا ستزيد من الأزمة الليبية المتدخل فيها من قبل تلك الفواعل، وبالتالي يصبح مستقبل “ليبيا” في أيدي تلك الفواعل بعيدًا عن الإرادة الشعبية للشعب الليبي.
مهدي الباز




