ستظلّ أراضي المغرب العربي دوما، كما كانت عبر التاريخ، منطقةً للتحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم، وستظلّ منطقة تناوب الانتقال الحضاري والعبور نحو مستقبل الأمم. ومهما حاول بعض قادة دول المغرب العربي انكار أهمية الجهد الجماعي والانفراد في استغلال مُقدّرات الدولة والتقرّب من العالم الآخر بشكل أحادي، إلا أنّ الجغرافيا ستظلّ تفرض نفسها كمفتاح بكلمة مرور جماعية لتفعيل هذه المكنونات الاستراتيجية.
وسعت دول المغرب العربي نحو الوحدة الفعلية منذ سنة 1989، لكن المنطلقات لم تكن ذاتها، ولم تُبنى على نفس الإرث، فتنام تضارب المصالح سيبقى يضرب بضلاله، خصوصا في الجهة الغربية للمغرب العربي، فالجزائر تنطلق في بناء هذا التكتّل من مبادئها الراسخة المتضمنة في بيان أول نوفمبر الذي لا يزال مرجعيتها في كلّ مساراتها، حيث جاء من ضمن أهداف ثورة التحرير “تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي”. بينما لا تزال المملكة المغربية تُكرّس الفكر الاستعماري باحتلالها أراضي إقليم الصحراء الغربية بعد تخلّصه من الاستعمار الاسباني، تماما كما فعلت عبثا سنة 1962 بمحاولة احتلال جزء من الصحراء الجزائرية. كما لا يزال دستور المملكة المغربية يرى في فصله التاسع عشر “الملك أمير المؤمنين …. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة”. إنّ عدم فصل الدستور المغربي في حدود المملكة يضع دوما استقرار المنطقة على ورقة معروضة على الرياح التي تهبّ من كل الاتجاهات. كما أصبح للتغلغل الصهيوني في الدوائر العميقة للمملكة المغربية دورا محوريا في تقويض القرارات وتوجيهها بما لا يخدم مصلحة الشعب المغربي ووحدته.
بالمقابل، لا يزال قادة الجزائر، تونس وليبيا يعملون على ايجاد إطار وحدوي ولو بنقاط محدّدة في الوقت الحالي، حيث عقد الاجتماع التشاوري الأول لقمة الرئيس التونسي قيس سعيد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، جاء في مسار تكثيف التنسيق الأمني على الحدود والتصدي للهجرة غير النظامية المتنامية وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية.
إنّ هذه الخطوة يجب أن تثمّن بنتائج ملموسة للدول الثلاث، من أجل الاستمرار في تقليص الهوّة بين أوطان المغرب العربي، بالرغم من الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها ليبيا، ومن هنا سيكون لـ”الغد المغاربي” كما لبعض وسائل الإعلام ذات الاهتمام المشترك، دور هام في تقريب الرؤى والتنسيق بين الفعاليات عبر الأوطان المغاربية، وكذا تثمين مساعي تصفية الاستعمار في المنطقة، لضمان أمن واستقرارها والشروع في تنمية حقيقية تتماشى مع المكانة الجيوستراتيجية للمنطقة.
الغد المغاربي
